علوم وتكنولوجيا

تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطاقة الكهربائية

في المقال السابق، تحدثنا عن الذكاء الاصطناعي وما يمكن أن تفرزه رؤية تطبيقاته في السيناريوهات اليومية مثل توقعات شراء التجزئة وتفاعلات دعم العملاء عبر الإنترنت. دعونا نعرج على أهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في جانب كبير الأهمية في حياتنا، ألا وهو الطاقة الكهربائية التي تمثل عصب الاقتصاد الوطني.

تواجه الكهرباء في جميع أنحاء العالم تحديات متزايدة تتعلق بزيادة الطلب وتدني الكفاءة وتغير أنماط الاستهلاك وزيادة النمو السكاني والاقتصادي، ونقص البيانات والتحليلات اللازمة وضعف البنية التحتية وتقادمها وغير ذلك.

لقد كانت هذه التحديات أكثر حدة في دول الأسواق الناشئة، حيث يعد ضعف الكفاءة إشكالية خصوصا، وبدأ قطاع الطاقة في الدول المتقدمة بالفعل بتبني وسائل الذكاء الاصطناعي واستخدام التقنيات ذات الصلة، التي تسمح بالاتصال بين مكونات الشبكات الذكية، مثل أجهزة إنترنت الأشياء، حيث يمكن أن تساعد هذه التقنيات على تحسين إدارة الطاقة ورفع الكفاءة وزيادة استخدام مصادر الطاقة المتجددة.

ويصل استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة الكهربائية إلى الأسواق الناشئة، لكي يكون لها تأثير حاسم في معالجة معظم التحديات في قطاع الطاقة الكهربائية، لأن الذكاء الاصطناعي بكل بساطة لديه القدرة على تقليص هدر الكهرباء وخفض تكاليفها، وتسهيل استخدام مصادر الطاقة المتجددة في الشبكات الكهربائية، وتسريعها لتوفر وظائف مميزة، مثل التنبؤ والمراقبة والتحقق والتقدير وغيرها، بل يمكن للذكاء الاصطناعي أيضا تحسين تخطيط أنظمة الطاقة الكهربائية وتشغيلها وحمايتها والتحكم فيها.
يمثل التنبؤ بحدوث الأعطال وأماكنها كأحد التطبيقات الرئيسة لـلذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة الكهربائية، إلى جانب الصيانة وتحديد جدولتها وأوقاتها المناسبة. ويعد فشل المعدات الكهربائية، مثل وحدات التوليد والشبكات والمحولات والكابلات والمحطات الفرعية وغيرها، أحداث شائعة الوقوع ينجم عنها عواقب وخيمة، ولذلك يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي جنبا إلى جنب مع أجهزة الاستشعار المناسبة، مجديا في مراقبة المعدات واكتشاف الأعطال قبل حدوثها، وبالتالي حماية الأرواح وتوفير الموارد والجهد والوقت.

ويمثل تلافي وتجنب الكوارث، مثل الأعاصير والزوابع والظواهر الجوية المتقلبة، تطبيقا ناجعا في التنبؤ بها كما هو الحاصل في بعض الولايات الأمريكية التي تشتهر بحزام الأعاصير الموسمية، ويرتكز أهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي على منع الهدر غير الفني بكل جرأة وكفاءة من خلال إيقاف العبث والسرقات وضبط الإيصال غير القانوني، ومنها إدارة أصول الشبكة الكهربائية وتقييمها والمحافظة عليها وتحديثها وتصريفها بفاعلية، ومنها مساعدة الذكاء الاصطناعي عموم العملاء على إدارة استهلاكاتهم لقدرة التقنية على معرفة مجموع تكاليف الفاتورة المستقبلية. أما المركبات الكهربائية، فقد وجد الذكاء الاصطناعي ضالته من خلال القيادة الذاتية والقدرة على إيقاف وركن المركبة آليا.
إن قطاع الطاقة الكهربائية لديه مستقبل واعد مع قدوم الشبكات الذكية التي يستطيع أن يديرها الذكاء الاصطناعي بكل ذكاء واقتدار. ولأن الشبكات الكهربائية الذكية تسمح بالاتصال في اتجاهين مختلفين أي بين المرافق والمستهلكين، فهي تشتمل على طبقة معلومات تسمح بالاتصال بين مكوناته المختلفة حتى يتمكن من الاستجابة بشكل أفضل لتغييرات سريعة في الطلب على الكهرباء، ويتم إنشاء طبقة المعلومات من خلال تثبيت العدادات وأجهزة الاستشعار الذكية التي تسمح بجمع البيانات ومن ثم تحليلها لاحقا.

وبوجود تحليل البيانات من خلال الذكاء الاصطناعي، تساعد الشبكات الذكية على تحسن الموثوقية والأمان وكفاءة نقل وتوزيع الكهرباء. بل يمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي أيضا على التنبؤ بإنتاج الطاقة المتجددة لقدرته على تحسين موثوقية الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، عبر تحليل كميات هائلة من بيانات الأرصاد الجوية وعمل التنبؤات واتخاذ القرارات حول وقت جمع وتخزين وتوزيع طاقة الرياح والطاقة الشمسية. ويستخدم الذكاء الاصطناعي للمساعدة على تحقيق التوازن في الشبكة الكهربائية، حيث يتم تحليل مكوناتها من خلال معالجة الوحدات المتقطعة والمساعدة على فك الاختناق في الشبكة، وهذا مفيد بالفعل لمشغل الشبكة.

أما في مجال تحسين كفاءة الطاقة، فيقوم الذكاء الاصطناعي بمراقبة استهلاك الكهرباء في المباني والمصانع من أجل التحكم فيها وتقييم وإدارة استهلاكها. وعليه، يملك الذكاء الاصطناعي القدرة على التحكم في استخدام الكهرباء خلال ساعات الذروة، بل تحديد مصادر الاستهلاك العالي والإشارة إليها من خلال اكتشاف أعطال معدات المباني قبل حدوثها.
تشهد المملكة نموا اقتصاديا وصناعيا وتجاريا وسكانيا كبيرا، ويؤدي هذا النمو بدوره إلى زيادة الطلب على الكهرباء، ومن المتوقع أن يستمر معدل النمو المرتفع بمعدل مماثل خلال الأعوام المقبلة. ونتيجة لذلك، هناك حاجة إلى زيادة توليد الكهرباء والحفاظ على أمن وموثوقية أنظمة إمدادات الكهرباء في المملكة مع الحفاظ على كفاءة عالية في استهلاك الوقود.

يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يلعب دورا محوريا في إجراء تقييم شامل لمتطلبات المملكة من الكهرباء للأعوام المقبلة، ودراسة السيناريوهات المثلى لتوليد الكهرباء أخذا في الحسبان جميع مصادر الطاقة المتاحة تجاريا، ورسم خطط مرحلية لتنفيذ الأعمال وتقدير تكاليفها والتدفقات النقدية المتوقعة.
ختاما، يتمتع الذكاء الاصطناعي بإمكانات فائقة لتحسين توليد ونقل وتوزيع واستهلاك الطاقة الكهربائية في مساعدة الاقتصادات الناشئة، التي تواجه تحديات متعددة من حيث الكفاءة والقدرة على تحمل التكاليف والتكامل مع مصادر الطاقة المتجددة في الشبكات الكهربائية.

وسيتطلب تمكين الذكاء الاصطناعي لدى مزودي الخدمة الكهربائية، بيانات هائلة وبنية تحتية صلبة وحوسبة سحابية تتسع لعمل تحليل البيانات، إضافة إلى قدرات بشرية مؤهلة للعمل في تقنية الذكاء الاصطناعي، ولا بد من الإشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء يكملان بعضهما بعضا في كثير من الوظائف والمهام. وعلى الرغم من بزوغ الشبكات الذكية منذ أكثر من عقدين من الزمان، إلا أن الذكاء الاصطناعي لا يزال يحبو بخطى بطيئة نحو تبوء مكان مناسب له، وقد يعزى السبب إما إلى ضعف الإرادة والإمكانات وإما لعدم وجود استراتيجية رقمية واضحة، أو ربما لضعف البنية التحتية أو قصور في القدرات الذاتية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى