خناق الطاقة العالمي: كوبا تواجه الانهيار وأزمة مضيق هرمز تخلط أوراق ترمب
تشهد الساحة الدولية المنعطف الأكثر خطورة في قطاع الطاقة والسياسة الخارجية منذ عقود، حيث تتقاطع المصالح الكبرى لتضع شعوباً بأكملها على حافة الهاوية. في الكاريبي، تواجه كوبا شبح الانهيار الكامل بعد نفاذ مخزونها من الديزل وزيت الوقود، وهو ما يهدد بقطع شريان الحياة عن الجزيرة التي تعاني أصلاً من بنية تحتية متهالكة. يأتي هذا التطور في وقت يفرض فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ضغوطاً قصوى تهدف إلى تغيير النظام الشيوعي القائم هناك منذ قرابة سبعة عقود. بالتزامن مع هذه الأزمة، تعيش منطقة الشرق الأوسط حالة من الشلل المروري البحري بعد أن أحكمت إيران قبضتها على مضيق هرمز كرد فعل على الحصار الأمريكي، مما تسبب في قفزة جنونية لأسعار النفط العالمية وخلط الأوراق السياسية قبيل الانتخابات الأمريكية.
كيف بدأت الأزمة الكوبية؟ ومن خنق شريان الوقود؟
تاريخياً، اعتمدت كوبا بشكل شبه كامل على المساعدات النفطية الخارجية لتسيير شؤونها اليومية وتوليد الطاقة. وبدأت هذه العلاقة الحميمة منذ عام 1999 عندما تولى الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو شافيز السلطة، واعتمد الزعيم الكوبي فيديل كاسترو كعراب سياسي له. ضخت فنزويلا الغنية بالنفط أكثر من 100 ألف برميل يومياً من الوقود المدعوم بشدة إلى هافانا، واستمر هذا الدعم حتى بعد تولي نيكولاس مادورو الرئاسة، رغم الانهيار الاقتصادي الذي عانت منه كاراكاس.
ومع ذلك، انقلب المشهد رأساً عقب اعتقال القوات الخاصة الأمريكية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في مطلع العام الجاري. هذا الحدث المفصلي أدى إلى توقف شحنات النفط فجأة، وتفاقمت الأزمة نتيجة التهديدات الأمريكية الصارمة بفرض رسوم عقابية على أي دولة تحاول سد الفجوة وتزويد كوبا بالوقود، مما ترك الاقتصاد الكوبي الهش في حالة انهيار حر بدون حلول بديلة بعد أن أغلقت واشنطن كل المنافذ.
مظاهر المعاناة الإنسانية وحافة الانهيار الكامل
تتزايد المأساة اليومية في كوبا مع إعلان وزير الطاقة الكوبي استنفاذ الديزل وزيت الوقود المخصصين لتشغيل محطات الكهرباء بالكامل. وتتجلى مظاهر الأزمة في النقاط التالية:
- انقطاعات الكهرباء الشاملة: يعاني نحو 10 ملايين مواطن من الظلام الدامس وفترات تقنين طويلة ومتكررة لتيار الكهرباء.
- شلل قطاع السياحة والطيران: إغلاق العديد من المنتجعات السياحية الحيوية، وإبلاغ شركات الطيران بعدم إمكانية إعادة تزويد الطائرات بالوقود في المطارات الكوبية.
- الاضطرابات الاجتماعية: اندلاع احتجاجات متفرقة في العاصمة هافانا والمحافظات، شملت إحراق مقر الحزب الشيوعي المحلي في مدينة مورون.
- نقص الغذاء الحاد: حذرت الأمم المتحدة من أن “الحصار الأمريكي على الوقود” يعيق توزيع المواد الغذائية الأساسية على الفئات الأكثر ضعفاً، ما يدفع البلاد نحو كارثة إنسانية.
على الرغم من وصول ناقلة نفط روسية تحمل 730 ألف برميل في أواخر مارس، إلا أن هذه الشحنة لم تكن سوى مسكن مؤقت نفد مطلع أبريل، حيث تحتاج الجزيرة إلى 100 ألف برميل يومياً كحد أدنى لتسيير شؤونها الأساسية.
الحسابات السياسية لإدارة ترمب والمخاطر المحيطة بفلوريدا
تصدرت أخبار الولايات المتحدة العناوين بتأكيد الرغبة في إسقاط النظام الكوبي، حيث يرى الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته مارك روبيو أن الضغط الاقتصادي الخانق سيعجل بسقوط هافانا. ويهدف روبيو، المنحدر من أصول كوبية، إلى كسب تأييد الكتلة التصويتية المؤثرة في جنوب فلوريدا، مما يعزز موقعه السياسي في الانتخابات المقبلة. كما تنظر واشنطن إلى كوبا باعتبارها منصة متقدمة للنفوذ الروسي والصيني والإيراني بالقرب من السواحل الأمريكية.
لكن هذا الضغط يحمل في طياته مخاطر كبرى؛ فإلى جانب التهديد بمقاومة كوبية غير قابلة للانكسار عبر عنها الرئيس ميغيل دياز كانيل، يبرز شبح أزمة هجرة جماعية غير مسبوقة تفوق “هجرة مارييل البحرية” عام 1980. وتشير التقديرات الديمغرافية إلى أن كوبا فقدت بالفعل أكثر من 2.75 مليون نسمة منذ عام 2020، وانهيار الحكومة بالكامل قد يطلق موجة نزوح ضخمة نحو فلوريدا، فضلاً عن زعزعة استقرار منطقة الكاريبي بأكملها.
معضلة مضيق هرمز: صراع الإرادات وعض الأصابع
في مقلب آخر من العالم، يواجه البيت الأبيض أزمة طاقة موازية لا يمكن فصلها عن سياسته الخشنة؛ حيث تحولت منطقة مضيق هرمز إلى ساحة كسر عظم بين طهران وواشنطن. فبعد الهجمات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية الشرسة وتكثيف العقوبات بهدف تصدير النفط الإيراني لدرجة الصفر، ردت إيران باستخدام ورقتها الجيوسياسية الأقوى، فأغلقت المضيق وفرضت آليات رقابة صارمة ورسوماً على السفن المارة، معلنة أن الملاحة لن تعود لطبيعتها إلا بزوال التهديد الأمني وحل أزمتها الاقتصادية.
هذا الفعل ورد الفعل أدى إلى قفزة بنسبة 50% في أسعار خام برنت، مما وضع إدارة ترمب في مأزق حقيقي قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر؛ إذ يرفض الشارع الأمريكي شعبياً هذا الاضطراب الهائل في إمدادات الطاقة وتصاعد تكاليف المعيشة. ورغم محاولات ترمب في بكين للوصول إلى توافق مع الرئيس الصيني شي جين بينغ لإعادة فتح الممر، إلا أن غياب مسار تنفيذ واضح يثبت أن الضغط الأمريكي المقابل لم ينجح في كسر الموقف الإيراني، مما دفع واشنطن للقبول ببحث صيغ دبلوماسية تشمل تأجيل النقاش حول الملف النووي المعقد مقابل حلحلة أزمة الممر المائي الحيوية.
في النهاية
يبدو أن مشهد الطاقة العالمي يسير فوق حقل من الألغام السياسية والاقتصادية نتيجة سياسات الحصار وبسط النفوذ. فبين كوبا التي تختنق ببطء تحت وطأة حظر الوقود الأمريكي الساعي لتغيير نظامها، ومضيق هرمز الذي تحول إلى رهينة سياسية واقتصادية لردع الهجمات الأمريكية على إيران، تظل الخيارات الدبلوماسية هي المخرج الوحيد لتجنب الانفجار الشامل. إن الأسابيع القادمة ستحسم ما إذا كانت واشنطن ستتراجع عن سياسة الخنق الاقتصادي للوصول إلى تسويات واقعية، أم أن الإصرار على فرض الإرادات سيقود العالم إلى موجة جديدة من الصراع المفتوح الذي لن يسلم منه أحد.
